فخر الدين الرازي

195

القضاء والقدر

الثاني : إنه عليه السلام بيّن أن الرجل يعمل بعمل أهل النار ، إلا أنه لأجل أنه سبق الكتاب بكونه من أهل الجنة ، ينقلب من عمل أهل النار إلى عمل أهل الجنة . وهذا يدل على أنه لا قدرة للعبد ، على خلاف حكم اللّه وعلمه . وذلك يبطل القول بالاعتزال . فإن قيل : هذا الخبر مشتمل على أمور باطلة ، فوجب أن يقال : إنه ليس كلاما لرسول اللّه . وبيانه من وجوه : الأول : حكى الخطيب « 1 » في « تاريخ بغداد » عن عمرو بن عبيد أنه قال : « لو سمعت الأعمش يقول هذا ، لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ، ما أجبته ، ولو سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول هذا ، ما قبلته ، ولو سمعت رسول اللّه يقوله ، لرددته ، ولو سمعت اللّه يقول هذا ، لقلت : ليس على هذا أخذت ميثاقا » « 2 » . الثاني : وهو أن هذا الحديث يدل على أن النطفة تبقى نطفة أربعين يوما ، ثم تبقى علقة أربعين يوما ، ثم تبقى مضغة أربعين يوما . والمشاهدات الطبية دلت على أن الأمر ليس كذلك . فإنه في مدة أربعين يوما يتكون الولد بتمامه ، ومشاهدة السقط يدل على هذه الأحوال . وإذا كان هذا الخبر مشتملا على الخطأ ، وجب تنزيه منصب النبوة عنه . الثالث : إن الأمر لو كان كما قرره في كتاب « الجبر » وجب أن يكون الكفار كلهم معذورين . وفي ذلك بطلان نبوته ورسالته . والفرع إذا أدى إلى فساد الأصل ، كان باطلا . سلمنا : صحة الحديث . لكن الحديث لا يدل إلا على أن جميع أفعال العباد بعلم اللّه وبحكمه . وذلك لا نزاع فيه . لأن مذهبنا أنه تعالى كان عالما في الأزل ، بأن « زيدا » سيكون مؤمنا مطيعا ، وأن « عمرو » سيكون فاسقا كافرا . وأنه لا يصدر عنهما إلا ما علم اللّه صدوره منهما ، وهذا القدر لا يدل على أنه لا قدرة للعبد على خلافه ، لأن العلم لا يقلب الممكن محالا ، ولا يخرجه عن حد الجواز . أما قوله : « لو لم يحصل ذلك المعلوم لانقلب العلم جهلا ، والصدق كذبا » قلنا : لما رجع حاصل الاستدلال إلى هذا الحرف ، لم يبق لخصوصية هذا الخبر فائدة فإنه يقال : إنه تعالى علم من كل أحد فعله المعين ، فوجب أن لا يقدر على تركه ، وإلا لزم انقلاب علمه جهلا . ولا يقال : إنا نستدل بهذا الخبر على أنه تعالى عالم بالجزئيات . لأنا نقول : إثبات النبوة فرع لهذه

--> ( 1 ) هو أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي ، الحافظ الفقيه المؤرخ والأصولي . ولد بدرزيجان من قرى العراق سنة 392 ه وقيل 391 ه . ونشأ في بغداد وسمع الحديث وتفقه على المحاملي والقاضي أبي الطيب واستفاد من الشيخ أبي إسحاق وبرع في الحديث حتى صار حافظ عصره . مؤلفاته كثيرة ومشتهرة منها تاريخ بغداد ، والكفاية في علم الرواية والفقيه والمتفقه ، والجامع لآداب الراوي والسامع . . الخ . توفي الخطيب ببغداد سنة 463 ه . أنظر ترجمته في وفيات الأعيان ( 1 / 32 ) ؛ معجم الأدباء 4 / 13 - 45 ؛ المنتظم 8 / 265 ؛ طبقات ابن هداية اللّه 164 - 166 ؛ طبقات السبكي 3 / 12 - 16 ؛ تذكرة الحفاظ 3 / 312 - 321 ؛ شذرات الذهب 3 / 311 . . . ( 2 ) تاريخ بغداد 12 / 172 ؛ وانظر ميزان الاعتدال للذهبي 3 / 278 .